صديق الحسيني القنوجي البخاري
69
فتح البيان في مقاصد القرآن
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قاصدا بذلك المغالطة وإيقاعهم في الحيرة ، مظهرا أنه مستخفّ بما قاله موسى مستهزىء به ، لأني اسأله عن شيء ويجيبني عن آخر ، وأضافة إلى مخاطبيه ترفعا عن أن يكون مرسلا إلى نفسه فأجابه موسى عند ذلك بما هو تكميل لجوابه الأول . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 28 إلى 39 ] قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 28 ) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 ) قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ( 30 ) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 31 ) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 32 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 33 ) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ( 34 ) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ ( 35 ) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 36 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ( 37 ) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 38 ) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ( 39 ) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما خصهما لأنهما أوضح دلالة وأظهر ، وذلك أنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وطلوع النهار ، وأراد بالمغرب غروب الشمس وزوال النهار ، ومعلوم أن طلوع الشمس من أحد الخافقين ، وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم ، لا يكون إلا بتقدير قادر حكيم ، والمعنى ليس ملكه كملكك لأنك إنما تملك بلدا واحدا لا يجري أمرك في غيره ، ويموت فيه من لا تحب أن يموت . والذي أرسلني ، يملك المشرق والمغرب وما بينهما ، أي فتشاهدون في كل يوم أنه يأتي بالشمس من المشرق ، ويحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله ، حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع تنتظم به أمور الكائنات ، ولم يشتغل موسى بدفع ما نسبه إليه من الجنون ، بل بيّن لفرعون شمول ربوبية اللّه للمشرق والمغرب وما بينهما ، وإن كان ذلك داخلا تحت ربوبيته سبحانه للسموات والأرض وما بينهما لما تقدم ، ولأن فيه تصريحا بإسناد حركات السماوات وما فيها وتغيير أحوالها وأوضاعها ، تارة بالنور ، وتارة بالظلمة إلى اللّه ، وقيل علم موسى أن قصده في السؤال معرفة من سأل عنه فأجاب بما هو الطريق إلى معرفة الرب . إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ شيئا من الأشياء ، أو إن كنتم من أهل العقول أي إن كنت يا فرعون ومن معك من العقلاء ، عرفت وعرفوا أنه لا جواب لسؤالك إلا ما ذكرت لك ، لا ينهم أولا ، وعاملهم بالرفق ، حيث قال لهم : إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [ الشعراء : 24 ] ثم لما رأى شدة شكيمتهم ، خاشنهم وأغلظ عليهم في الرد ، وعارضهم بمثل مقالتهم بقوله : إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ لأنه أبلغ وأوفق بما قبله من رد نسبة الجنون إليه ، ثم إن اللعين لما انقطع عن الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب والتهديد ، وهكذا ديدن المعاند المحجوج .